ابن قيم الجوزية
145
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
يمينه وعن شماله ، فقريب منه وبعيد ، وبين ذلك ، وإذا أعطيت الفاتحة حقّها ، وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه ، وإن كان حمده لا يقتضي غير ذلك ، وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك ، فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش ، بل يفعلون ما لا يقدر ، ولا يشاؤه ، ويشاء ما لا يفعله كثير منهم ، فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء ، وهل يقتضي ذلك كمال حمده ، وهل يقتضيه كمال ربوبيته . ثم قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة ] مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين عن قصد السبيل ، فإنه يتضمن إثبات فعل العبد ، وقيام العبادة به حقيقة ، فهو العابد على الحقيقة ، وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عز وجل له ، فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة ، لم يتمكن منها ، ولم يوجد منه البتة ، فالفعل منه ، والإقدار والإعانة من الرب عز وجل . ثم قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة ] يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها ، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده ، وإن شاء منعه إياها . والهداية معرفة الحق والعمل له ، فمن لم يجعله اللّه تعالى عالما بالحق عاملا به ، لم يكن له سبيل إلى الاهتداء ، فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها ، وهي جعل العبد مريدا للهدى محبّا له مؤثرا له عاملا به ، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، وهي التي قال سبحانه فيها : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( 56 ) [ القصص ] مع قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) [ الشورى ] فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد ، وهي التي هدى بها ثمود ، فاستحبّوا